نشر محمد إسماعيل تقريرًا في المنصة يتناول الجدل المتصاعد حول ديون مشروعات النقل الكبرى في مصر، في ظل مساعي وزير النقل كامل الوزير لتوطين صناعات السكة الحديد والمترو والجر الكهربائي، وتقليل الاعتماد على الواردات وما تستنزفه من العملة الأجنبية. ويبحث التقرير مدى نجاح سياسة التوطين في تحقيق وفر حقيقي في الدولار، وقدرتها على تخفيف أعباء الديون المتراكمة على قطاع النقل.


وفي تقرير نشرته المنصة يوم الثلاثاء، رصد محمد إسماعيل النقاشات الحادة التي دارت مؤخرًا بين أعضاء مجلس النواب ووزير النقل كامل الوزير بشأن الموافقة على قروض إضافية لقطار السكة الحديد الكهربائية فائقة السرعة.

 

وتركزت المناقشات على قروض مشروعات النقل الكبرى وتأثيرها في زيادة الدين الخارجي لمصر، بينما دافع الوزير عن سياساته بالإشارة إلى نجاح جهود توطين صناعات النقل في الحد من استنزاف النقد الأجنبي. ولإثبات ذلك، قال إن 70% من مكونات السكة الحديد فائقة السرعة صُنعت محليًا نتيجة لهذه السياسة.


ومنذ عام 2022، سعى الوزير إلى جذب استثمارات في تصنيع مستلزمات النقل، مقدمًا حوافز وعقودًا حكومية مضمونة لتلبية احتياجات شبكات السكة الحديد والمترو والجر الكهربائي. لكن إلى أي مدى نجحت سياسة التوطين في توفير الدولار؟ وكيف يمكن لهذه الصناعات الجديدة أن تساعد في تخفيف الضغوط التي تفرضها الديون المتزايدة على قطاع النقل؟

 


توطين صناعة فلنكات السكة الحديد


يستشهد كامل الوزير بإنتاج فلنكات السكة الحديد الخرسانية باعتباره أحد أبرز مؤشرات التقدم في ملف التوطين، مشيرًا إلى تزايد عدد الشركات المصنعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذا المنتج.


وتنتج أربع شركات حاليًا فلنكات السكة الحديد الخرسانية، تأسست ثلاث منها بين عامي 2022 و2024. وفي الوقت نفسه، تضع شركة كونكريت بلس للمقاولات اللمسات النهائية على مصنع خامس استعدادًا لافتتاحه.


وبالتوازي مع شركات مملوكة للدولة، مثل الشركة المصرية للصيانة الذاتية للطرق والمطارات، والشركة العامة للنيل للإنشاء والطرق، وسيجفارت، التي بدأت إنتاج فلنكات السكة الحديد، بدأت شركات خاصة أيضًا في شغل مساحة داخل هذا القطاع. ومن بينها شركة EICW، وهي شركة عريقة في مجال البنية التحتية دخلت المجال مؤخرًا.


وبفضل هذه المصانع الجديدة، حققت الهيئة القومية للأنفاق الاكتفاء الذاتي من فلنكات السكة الحديد، وفق عضو بمجلس إدارتها طلب عدم ذكر اسمه في حديثه إلى المنصة. وأوضح المصدر أن قيمة العقود الحالية تتجاوز 6 مليارات جنيه مصري، أي نحو 120 مليون دولار، لمشروعات القطارات فائقة السرعة والقطار الخفيف، بينما يُتوقع أن تتجاوز قيمة العقود المستقبلية 15 مليار جنيه، أي نحو 300 مليون دولار.


أما بالنسبة إلى الهيئة القومية لسكك حديد مصر، فقال عضو بمجلس إدارتها للمنصة إن قيمة العقود المبرمة مع شركات تصنيع فلنكات السكة الحديد خلال الفترة من عام 2024 وحتى نهاية السنة المالية المقبلة تتراوح بين 600 و800 مليون جنيه، بما يعادل نحو 12 إلى 16 مليون دولار.


ولا تقتصر جهود الوزير على الفلنكات، إذ سعى أيضًا إلى جذب استثمارات لتوطين مكونات أخرى أكثر تكلفة، ونجح بالفعل في الحصول على عدة التزامات استثمارية. ويعتمد هذا النهج على مجموعة من الحوافز، تبدأ من توفير الأراضي بأسعار مخفضة للغاية أو دون مقابل، وصولًا إلى ضمان عقود حكومية لمشروعات النقل الكبرى.


وأشار عضو مجلس إدارة هيئة السكة الحديد إلى شركة صينية حصلت على وعد بوقف استيراد عجلات القطارات بالكامل، والتي تبلغ قيمتها نحو 90 مليون يورو سنويًا، في حال إنشاء مصنع محلي لها. وقال المصدر إن ذلك يعني توفير سوق مضمونة منذ بداية الإنتاج، وبالتالي لن تضطر الشركة إلى البحث عن مشترين لمنتجاتها.


كما دخلت شركة كولواي الإسبانية إلى السوق المصرية خلال أزمة نقص الدولار عام 2023، لإنشاء مصنع لمكونات عربات النوم. وبدأ المصنع العمل في 2025، وحقق وفرًا يقدر بنحو 40 مليون يورو، وفقًا لمصدر هيئة السكة الحديد، الذي أوضح للمنصة أن الحكومة تسدد مستحقات الشركة بالعملة المحلية.


وتوصلت الهيئة أيضًا إلى اتفاق مع شركة فوست ألبين النمساوية لإنشاء مصنع لمفاتيح السكة الحديد. وأسهم المصنع حتى الآن في توفير نحو 45 مليون يورو، فيما يُتوقع أن تغطي مصر احتياجاتها بالكامل من هذه المنتجات محليًا خلال العامين المقبلين، بحسب المصدر نفسه.


وإلى جانب المستثمرين الأجانب، استعان الوزير بمصانع مملوكة للدولة أو مرتبطة بها، ومنها شركة السويس للصلب، التي تديرها القوات المسلحة منذ عام 2016. وبدأت الشركة الإنتاج التجريبي لقضبان السكة الحديد في 2024، وهو إنجاز يكرر الوزير الإشارة إليه نظرًا إلى ارتفاع تكلفة استيراد القضبان.


وساعد مصنع السويس للصلب أيضًا في خفض فاتورة الاستيراد بنحو 100 مليون يورو، وهي قيمة القضبان اللازمة لمشروع السكة الحديد فائقة السرعة، وفق مسؤول في هيئة السكة الحديد. وأضاف أن الوزارة تعاونت كذلك مع شركة لينزا مصر، وهي شركة مصرية خاصة لها سجل من التعاون مع وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، لإنشاء مصنع لقطع غيار السكة الحديد بالشراكة مع الهيئة.

 


من القضبان إلى عربات القطارات والمترو


وبالتوازي مع الشركات المحلية، يعوّل الوزير على عملاقين عالميين، هما شركة ألستوم الفرنسية وشركة تالجو الإسبانية، لإظهار قدرته على جذب كيانات كبرى إلى السوق المصرية. وتعمل ألستوم على إنشاء مجمع صناعي للأنظمة الكهربائية الخاصة بالسكة الحديد، بما في ذلك معدات الإشارات، ومن المتوقع افتتاحه خلال العام الجاري.


في المقابل، لا يزال موقف تالجو غامضًا. إذ يُتوقع أن تنشئ الشركة مصنعًا محليًا لتصنيع عربات القطارات، وفق عقود التوريد التي أبرمتها عام 2022 بقيمة 440 مليون يورو لتوريد 13 قطارًا.


وقال مصدر في هيئة السكة الحديد للمنصة إن الحكومة قدمت حوافز، مثل تسهيل إجراءات الحصول على الأراضي، لكن شركات كبرى مثل تالجو تحتاج إلى وقت لاتخاذ قرار الاستثمار. وأوضح أن تخصص تالجو في تصنيع العربات الفاخرة حصرًا يعني أن السوق المصرية وحدها لا تستطيع استيعاب إنتاجها، ما يستلزم دراسة الأسواق الخارجية التي يمكن الوصول إليها.


ولا تقتصر جهود توطين صناعة العربات على تالجو، إذ بدأت الدولة قبل نحو ست سنوات العمل على إنشاء شركة متخصصة في هذا المجال، هي الشركة الوطنية المصرية لصناعات السكة الحديد «نيرك»، بالشراكة مع شركات مقاولات بارزة، من بينها سامكريت وحسن علام وأوراسكوم للإنشاءات.


وأخرت العقبات الأولية، ولا سيما أزمة الدولار، افتتاح المصنع حتى أبريل 2026. لكن المناخ الاقتصادي نفسه أسهم في نهاية المطاف في تسهيل إقامة شراكات مع شركات عالمية كبرى. فقد وقعت شركة هيونداي روتم الكورية الجنوبية، وهي من أبرز موردي قطارات المترو، عقدًا كبيرًا مع «نيرك» للتصنيع المشترك لقطارات مترو القاهرة والإسكندرية، بينما دخلت شركة CRRC الصينية في شراكة مع الشركة لإنتاج عربات مترو أبو قير الكهربائي.


وقال مصدر في الهيئة القومية للأنفاق إن وجود «نيرك» أدى إلى إلغاء مناقصة دولية طرحت عام 2022 لتوريد عربات لمترو أبو قير الكهربائي، بعدما تأكدت قدرة الشركة على تصنيع العربات محليًا. وتوقع المصدر أن يسهم ذلك في توفير نحو 734 مليون يورو من تكلفة مشروع مترو أبو قير وحده.


وبالإضافة إلى «نيرك»، تحركت الحكومة لتحديث مصنع العربات الأقدم «سيماف»، الذي يصنع حاليًا 210 عربات بضائع لشبكة السكة الحديد فائقة السرعة. وقال المصدر إن تكلفة استيراد العربة الواحدة تبلغ نحو 16 مليون جنيه، أي قرابة 320 ألف دولار، بينما ستبلغ تكلفة تصنيعها محليًا نحو 9 ملايين جنيه، أي نحو 180 ألف دولار.


وتشير هذه الأرقام إلى أن التوطين لا يقتصر على استبدال منتج مستورد بآخر محلي، بل تسعى الدولة من خلاله إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على توفير احتياجات مشروعات النقل الكبرى، مع خفض فاتورة الواردات تدريجيًا.

 


كيف يمكن معالجة إرث الديون؟


قدرت المنصة في وقت سابق إجمالي الاحتياجات التمويلية لمشروعات النقل الكبرى بنحو 19 مليار دولار، وهو رقم يزيد الضغوط على الدين الخارجي الذي ارتفع بسرعة خلال العقد الماضي.


ويرى محمد رمضان، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن جذب الشركات والمصانع الأجنبية للعمل داخل السوق المصرية يمثل خطوة إيجابية، لكنه لن يعوض بصورة مؤثرة التكاليف الكبيرة لمشروعات السكة الحديد والمترو. ويرجع ذلك، على وجه الخصوص، إلى ارتباط هذه الصناعات بعوامل أكثر تعقيدًا، تشمل التكنولوجيا والبحث والتطوير المستمرين، إلى جانب التسويق وإمكانات التصدير مستقبلًا.


وقال رمضان للمنصة إن منهجية احتساب المكوّن المحلي في الشراكات مع الشركات الدولية يشوبها خلل. ففي حين تحتسب بعض الجهات العمالة المحلية ضمن هذه النسبة، يرى رمضان أن المعيار الحقيقي ينبغي أن يستند إلى القيمة المضافة، ونقل التكنولوجيا، وعدد المهندسين الذين جرى تدريبهم، والقيمة الفنية والمالية للمنتج النهائي مقارنة بمنتج مستورد مماثل.


وفي السياق نفسه، شدد فخري الفقي، الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، على أن تخفيف ضغوط الدين الخارجي مستقبلًا يتوقف على توجيه هذه الصناعات الجديدة نحو التصدير. وأوضح أن الوفورات الأولية الناتجة عن التوطين ستكون محدودة ما دام الإنتاج يغطي الاحتياجات المحلية في البداية، بينما سيظهر الأثر الاقتصادي الحقيقي مع التوسع في الأسواق الخارجية.


وهنا أشار مصدر الهيئة القومية للأنفاق إلى أن كثيرًا من الشركات التي أُنشئت حديثًا تستهدف على المدى الطويل استخدام مصر قاعدة للتصدير. واستشهد بشركة ألستوم مثالًا على ذلك، موضحًا أن إنتاج المرحلة الأولى سيخصص لمشروع الخط السادس لمترو القاهرة، قبل توجيه جزء من الإنتاج إلى التصدير لاحقًا.


وقال أحمد المفتي، العضو المنتدب لشركة «نيرك»، للمنصة إن الشركة تتبع استراتيجية تدريجية للتوطين، تبدأ بتلبية الطلب المحلي قبل الانتقال إلى التصدير. وتعتزم «نيرك» إعداد دراسة تفصيلية حول احتياجات السوق الأفريقية من السكة الحديد بحلول نهاية العام، تمهيدًا للتوسع إقليميًا، بالاستفادة من شركات المقاولات المصرية التي تنفذ بالفعل مشروعات بنية تحتية في أنحاء القارة.


وأوضح المفتي أن هذا النهج يستهدف بناء تحالفات متكاملة قادرة على تنفيذ مشروعات متكاملة لصالح الجهات المتعاقدة في الدول الأفريقية، بما يعزز قدرة الشركات المصرية على المنافسة إقليميًا ودوليًا.


ويمثل التحول نحو التصدير الرهان الأساسي لقطاع النقل على وقف نزيف العملة الأجنبية الذي يعاني منه الاقتصاد المصري، إلا أن اختراق أسواق جديدة يظل التحدي الأكبر أمام هذه الاستراتيجية.


وتعكس تجربة توطين صناعات النقل حتى الآن مزيجًا من الوفورات المحلية والشراكات الدولية والطموحات التصديرية، لكن قدرتها على تخفيف عبء الديون الخارجية ستظل مرتبطة بحجم القيمة المضافة التي تنتجها فعليًا داخل الاقتصاد المصري، ومدى نجاح الصناعات الجديدة في التحول من تلبية الطلب المحلي إلى المنافسة في الأسواق الخارجية.

 

https://almanassa.com/en/stories/32652